رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

225

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

إذن جاهل واقع في سُكر الجهالة ، وإنّما يعلم إذا أفاق من ذلك وندم على ما فرّط منه ، وتلك الإفاقة إن كانت قبل معاينة أحوال النشأة الآخرة - أي كان العلم إيماناً - نفعه الندم ، وإن كانت بعد المعاينة - أي كان العلم ضروريّاً - لم ينفع . والحصر في الآية التي قرأها الإمام عليه السلام ليس بالقياس إلى العالم بالمعنى الأوّل ، ولا بمعنى العلم بالمسألة ، بل بالقياس إلى العالم بالمعنى الثاني ، كما أشير إليه في الآية الأخرى : « وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ » « 1 » . وعلى هذا ، فكلّ مسيء عامل للسوء بجهالة ؛ و « مِنْ قَرِيبٍ » عبارة عن قبل آن المعاينة ، وبلوغُ النفس إلى الحلق عبارة عن آن المعاينة . وقوله عليه السلام : « ليس « 2 » للعالم توبة » أي العالم بالعلم الضروريّ ، كأنّه عليه السلام يقول : إذا بلغ النفس هاهنا صار المرء عالماً بوخامة ما ارتكب وسوءِ مآله ، شاء أم أبى ، ولم يكن لمثل هذا العالم توبة ؛ هذا . ويخطر بالبال للآية والحديث معنىً آخَر أظنّه هو المقصود ، وهو أن يُراد بالعالم من تدبّر في الأحكام الدينيّة والمعارف اليقينيّة وأخذها من مآخذها ، كما هو الشائع من الإطلاقات العرفيّة ؛ وبالجاهل العامّي وإن كان عالماً بالمسائل على وجه التقليد . والتوبة تستعمل تارةً ب « إلى » وأخرى ب « على » . وعلى الأوّل تسند إلى المذنب ، وعلى الثاني تسند إلى اللَّه تعالى . وفي القاموس : « تاب إلى اللَّه توبةً : رجع عن المعصية . وتاب اللَّه عليه : وفّقه للتوبة ، أو رجع [ به ] من التشديد إلى التخفيف ، أو رجع عليه بفضله وقبوله ، وهو توّاب على عباده » . « 3 »

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 18 . ( 2 ) . في الكافي المطبوع : « لم يكن » . ( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 40 ( توب ) .